السبت، 11 ديسمبر، 2010

يعيش بيننا من يتحسّر على إلغاء الرّقّ !


بقلم: رجاء بن سلامة

"ماذا خسر المسلمون بإلغاء الرّقّ؟" مقال نشر بـ"ملتقى أهل الحديث" منذ بضعة أشهر، ولقي قبولا واستحسانا. لم أصدّق عندما وصلني الرّابط وقرأت المقال، وظننته لأوّل وهلة محاكاة ساخرة لخطاب الإسلاميّين الأصوليّين الرّاديكاليّين، وظننت نفسي في حاجة إلى مزيد من القهوة حتّى أفيق من نومي. لكنّني عندما أعدت قراءته وجدته لا يحتمل هذا التّأويل. وازداد عجبي عندما وجدته منشورا في خمسة مواقع، وعندما قرأت تعليقات عليه من هذا القبيل : "فما يدرينا لعل التاريخ يعيد نفسه، وتعود العزة للمسلمين ويكون هناك عبيد وإماء. مميز موضوعك أخي."
انتقلت بسرعة فائقة من فرضيّة سخريّة المقال إلى التّسليم بسخرية الأقدار بنا. يعيش بيننا، ويتكلّم لغتنا، ويستعمل شبكة العنكبوت مثلنا، من ينبش في مزابل التّاريخ، ليخرج نفايات يعتبرها مقدّسة، مطلقا صيحات الظّفر : "حِكم الرق ومنافعه التي حرمناها في زماننا هذا". هل هي "أصوليّة عنصريّة"، تعتبر المسلمين جنسا متفوّقا يحقّ له استرقاق غير المسلمين؟ هل مضى عهد الأصوليّة "الحالمة" التي تعتبر الإسلام متنافرا مع الرّقّ، وتنسب إلى عمر بن الخطّاب قوله "متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا؟".
أدافع منذ مدّة عن فكرة مفادها أنّ الأصوليّة الدّينيّة والفتاوى التّي تحرّم أكثر ممّا تحلّ مبصومة بفوات الأوان وبانتهاء الصّلوحيّة، لأنّها تفضي إلى أوامر بعيدة عن الحياة ولا يحتملها الأحياء، إلاّ بعض الموسوسين ومن يحتاجون إلى نماذج قصوى وطقوس لا نهائيّة يغالبون بها قلقهم. لكن لم يخطر على بالي يوما أنّ فوات الأوان هذا يمكن أن يخرج إلى الأوان العبوديّة، فظيع العبوديّة القديمة. كيف يمكن الحنين إلى العبوديّة، في مطلع الألفيّة الثّالثة، وفي غمرة الاحتفال بالذّكرى السّتّين للإعلان العالميّ عن حقوق الإنسان؟ وفي عصر ندين فيه الأشكال الجديدة للرّق، وهي على أيّة حال أكثر التباسا من الرّقّ بأتمّ معنى الكلمة، ومن السّبي الذي يدافع عنه صاحب المقال، ويعتبره طريقا إلى نشر الإسلام؟

كنّا منذ فترة نطالب أو نحلم، بحميّة الشّبان والمطالبين بالحقّ وبـ"واجب الذّاكرة"، باعتذار من العرب، عبر جامعة دولهم، مثلا، عن دور أجدادهم التّاريخيّ في النّخاسة وفي تجارة الرّقيق العابرة للقارّات : في اختطاف البشر، واجتثاثهم من أسرهم وقراهم، وإبعادهم عن أوطانهم، وتقييدهم، وإخضاعهم للسّخرة، وتحويلهم إلى آلات حيّة، ونفي بشريّتهم وكرامتهم

صاحب المقال، هل يعرف حقّا ما هو الرّقّ وكيف يتمّ الاسترقاق، وكيف يتمّ "إنتاج" العبيد؟ هل رأى صورا عن "بيت العبيد" بجزيرة غورية السّنيغالية، وهل رأى ما خطّته أكفّ العبيد المرحّلين على جدران ذلك البيت ("لا تبك يا بنيّ !")، وهل رأى تلك الأصفاد الحديديّة التي تنوء بحملها الجبال، وهل رأى بوّابة الرّحيل بلا عودة؟

ولنأخذ سجلّ الأمومة، الحبيب لدى الأصوليّين عادة، في كرههم للأنوثة وتغليبهم الأمومة عليها : هل فكّر صاحب المقال في دموع الأمّهات وصيحات الأطفال الذين فرّقت بينهم وبين أمّهاتهم أيدي النّخّاسين؟ أين الرّحمة في ديانة تسمّي الإله "رحمانا رحيما"، وتحضّ على "صلة الرّحم"؟

هل هناك "أبعد من هذا الحضيض"؟ وأيّ أدوات معرفيّة تصلح لتحليل هذا الحضيض؟

المصدر:موقع الأوان
الخميس 11 آذار (مارس) 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق